أجوبة الشبهاتدين

كيف نتعامل ـ منهجياً ـ مع الرواية التاريخيَّة؟

لا يصحّ إخضاع الروايات التاريخية للمنهج نفسه المعتمد في روايات الأحكام الشرعية؛ إذ إنّ الروايات التاريخية لا تشتمل على نسبة حكمٍ إلى الله تعالى، بخلاف روايات التشريع؛ ومن ثمّ فإنّ مجرّد إمكان وقوع حادثةٍ ما تاريخياً يُعدّ كافياً لفتح باب قبولها مبدئياً، شريطة أن تُجمع شواهدُها ومؤيّداتها، وتُدرس ملابساتها وسياقاتها، وتُقارن الروايات المختلفة بشأنها، ليُصار بعد ذلك إلى الترجيح والحكم، وهو ما يمارسه الباحث التاريخي في دراسة السيرة النبوية، وتاريخ المسلمين، والتاريخ العام.

وعليه، فإنّ الاهتمام الرئيس للباحث في مجال التأريخ ينصبّ على جمع الشواهد وإجراء المقارنات، ولا يُعدّ الحكم على أسانيد الروايات سوى أحد العوامل الداخلة في عملية الترجيح، إلى جانب عناصر أخرى، مثل: دقة المؤرخ، وحياديته، وأمانته في نقل التفاصيل وضبط الوقائع.

كما أنّ سرد الأحداث التاريخية يقتضي ـ في المقام الأول ـ ترتيباً منطقيًاً ومتسقاً للوقائع.

ولا يخفى أنّ مصادر المعرفة التاريخية تتمثّل أساساً فيما دوّنه المؤرخون، وتكون أقوالهم في كتبهم حجّة بقدر ما يشبه حجّية ما دوّنه علماء اللغة في مصنّفاتهم، مع بقاء المجال مفتوحًا للنقد والمناقشة، لا للقبول المطلق غير المشروط.

وبناءً على ذلك، فإنّ معيار القبول أو الردّ في القضايا التاريخية هو قوّة الشواهد وتماسك الأدلة، لا مجرّد سلامة السند بالمعنى الاصطلاحي المأخوذ في الفقه مثلا.

أمّا معاملة الروايات التاريخية معاملة روايات الأحكام أو الشريعة عمومًا، فهو خللٌ منهجيٌّ واضح لا ينبغي المصير إليه.

#مجموعة_إكسير_الحكمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى