بدأت القصة قبل سنواتٍ، حين تحوَّلت أسوار العتبات المقدَّسة من أماكن للعبادة والزيارة فقط، إلى ورش عملٍ كبرى، ومزارع استراتيجيَّة، ومصانع تُنتج كلّ شيءٍ؛ من السلة الغذائيَّة إلى التكنولوجيا المعقدة. في تلك اللحظة بالذات، تحوَّلت بوصلة الهجوم الإعلاميّ الرقميّ نحو هذه المؤسسات.
فهل تساءلت يوماً: لماذا يصرّ البعض على تصدير صورةٍ سلبيةٍ عن العتبات رغم وضوح نتاجها على الأرض؟
الأمر ليس عفوياً، بل هي حربٌ “ممنهجةٌ” تُدار على ثلاثة محاور أساسيَّة تمسّ حياتنا ومستقبلنا بشكلٍ مباشرٍ.
المحور الاستراتيجيّ: كسر القدوة والرمز
المعركة هنا ليست على الطابوق أو المنشآت، بل على “الوعي”.
ضرب وكلاء المرجعية: بما أنَّ المسؤولين عن إدارة العتبات هم وكلاء المرجعيَّة، وهم لا يستطيعون الهجوم على المرجعيَّة مباشرةً، لما يُثير ذلك من حفيظة المؤمنين، فهم بحجَّة نقد عمل العتبات، ينتقدون وكلاء المرجعيَّة عن هذا الطريق المشبوه؛ باعتبار الهجوم على الوكلاء خطوة استباقيَّة لضرب المرجعيَّة، وزعزعة ثقة النَّاس بها، وهو محاولةٌ غير مباشرة لفكّ الارتباط الروحيّ والثقافيّ بين الشباب ومرجعيتهم، وتشكيكهم في هذه المظلة الآمنة.
إسقاط القدوة الناجحة: في زمنٍ يبحث فيه الشباب عن تجارب نجاحٍ حقيقية وسط ركام الأزمات، تبرز مشاريع العتبات كنموذج للمؤسسة العراقية الناجحة التي تنجز وتُعمر. إسقاط هذا النموذج إعلامياً يهدف إلى نشر الإحباط وإقناع الجيل الصاعد بأنّ “النجاح في هذا البلد مستحيلٌ”.
محاربة الهوية والمنتج المحلي: عندما تنجح العتبات في إحياء شعار “صُنع في العراق”، فإنّها تعيد صياغة الثقة بالذات العراقية، وهو ما لا يروق لمن يريد إبقاء البلد تابعاً مستهلكاً.
المحور الاقتصادي: صراع الحيتان والجشع
لماذا يغضب المستوردون والشركات العابرة للحدود من مزارع العتبات ومصانعها؟
الإجابة واضحة في لغة الأرقام:
حماية العملة الوطنية: كلّ طنٍ من الحنطة، أو لترٍ من الألبان، أو مادةٍ إنشائية تُنتج محلياً، يعني الحفاظ على العملة الصعبة داخل الاقتصاد العراقي بدلاً من تهريبها للخارج لشراء بضائع استهلاكية. هذا الاكتفاء الذاتي يضرب مصالح شبكاتٍ ضخمة تعتاش على استنزاف ثروات البلد.
كسر الاحتكار وجشع السوق: لسنواتٍ طويلةٍ احتكر بعض التجار والمستوردين السوق العراقية، وفرضوا الأسعار التي يريدونها بفضل غياب المنافس المحلي، ودخول العتبات بخطوطٍ إنتاجية عالية الجودة وأسعارٍ مدعومة ومناسبة، مثّل تحدياً كبيراً لجشع هؤلاء، فكان السلاح الأسهل لهم هو تمويل حملات التسقيط الإعلاميّ لتشويه هذا المنافس الوطني.
المحور الاجتماعي: اللعب على وتر الحرمان
أخطر أنواع الهجوم هو الذي يستهدف البنية المجتمعيَّة ويحاول تفكيكها من الداخل:
إشعال الفتن الداخلية: تهدف ماكنات الإعلام والجيوش الإلكترونية إلى تقسيم المجتمع إلى فئتين متناحرتين؛ “مدافعين مستميتين” و”منتقدين ناقمين”، لخلق حالةٍ من الاستقطاب والنزاع المستمر داخل الصفّ الواحد وتشتيت الطاقات.
استغلال نزعة الحرمان واليأس: يعاني المواطن العراقي من تراكم الأزمات الخدميَّة والمعيشية لسنواتٍ، وهو ما ولّد شعوراً مبرراً بالإحباط، هذا “الحرمان” يتم استغلاله وتوجيهه بذكاءٍ خبيث؛ بدلاً من توجيه اللوم للمقصرين الحقيقيين، يتم حرف البوصلة نحو “الجهة الأمينة الناجحة” (العتبات) ومطالبتها بأدوار ليست من اختصاصها أصلاً، بهدف ضرب الثقة بآخر مؤسسةٍ تحظى باحترامٍ وموثوقية عالية.
المسألة إذن تتجاوز حدود النقد البناء؛ إنّها صراع إراداتٍ بين مشروعٍ يريد بناء عراقٍ مكتفٍ، واثقٍ بقدراته، ومرتبطٍ بقيمه، وبين أجنداتٍ وحيتان تجارةٍ يصارعون للإبقاء على الوضع الراهن.
الوعي الحقيقي يبدأ من فهم خفايا هذا الهجوم، ومعرفة مَن المستفيد الحقيقي من غياب المنتج والقدوة العراقيَّة.
#مجموعة_إكسير_الحكمة



