المراحل التاريخية للعزاء الحسيني
(كيف انتقل مجلس الإمام الحسين (ع) من دموع الأطفال والنساء في كربلاء إلى ملايين المعزين اليوم؟)
نُصب العزاء على الإمام الحسين (ع) مباشرة بعد واقعة كربلاء سنة 61هـ، عندما اجتمعت العلويات على جسد الإمام وهنّ يبكين ويلطمن ـ فضلاً عن البكاء عليه قبل شهادته ـ حتى انتظمت مجالس العزاء في بيوتات الهاشميين وأصحابهم فور عودتهم للمدينة المنورة.
وفي العهد الأموي كانت تأتي وفود الشعراء إلى الأئمة (ع) لإلقاء الشعر وبكاء المعزّين، مثل الشاعر العربي «الكُميت بن زيد الأسدي».
وقد جعل الكميت معظم قصائده في مدح بني هاشم و ذكر مصائب آل الرسول (ص)، حتى سُمّيت قصائده «بالهاشميات» وكان ينشد معظمها في مجالس الإمام الصادق وأبيه الباقر محمّد وجدّه علي بن الحسين (عليهم السلام).
ثم اتّسع المجال أمام الشعراء في رثاء آل البيت وذكر مصابهم في العصر العباسي،
ومن شعراء هذا العصر دعبل الخزاعي وإبراهيم بن العباس، اللذان قصدا الإمام الرضا (ع) في خراسان، فقرأ دعبل بمحضره قصيدته المشهورة:
مدارس آيات خلت من تلاوة
ومنزل وحي مقفر العرصـات
وكانت السلطات الحاكمة يومها تضيّق على تلك المجالس وتطارد المُلقينَ وتفتك بالحاضرين، وقد لقيَ الموالون لآل البيت (ع) من الطواغيت أصناف العذاب.
وقد أُتلفت معظم تلك القصائد والأشعار، من الآثار ذات العلاقة بالإمام الحسين (ع)، ولو كانت باقية لكانت ثروة أدبية رائعة عن تلك الفترة.
ولمّا توسع التشيع وخفت ملاحقة السلطات، أصبحت التجمعات تنعقد باسم «النياحة على الحسين» على ما هم فيه من التستّر، فيبكون وينوحون عليه برثاء يُنشؤه الناشد ويسمى «النائح». وفقاً لما ذكره المؤرخان الشهيران ياقوت الحموي في معجمه وابن خلكان في وفياته.
ثم تطوّرت مجالس العزاء عقب النياحة بقراءة المقاتل لابن نما وابن طاووس ونحوهما، وسُمّي قارئ المقتل «بالقارئ أو قارئ الحسين».
أما المواكب فقد سجل التاريخ اهتمام معز الدولة البويهي وسائر الملوك البويهيين عام 352 هـ بشأن إقامة مآتم الحسين وإبرازها في هيئة مواكب خارج البيوت، فكانت النساء يخرجن ليلاً، ويخرج الرجال نهاراً حاسري الرؤوس حفاة الأقدام.
ثم أُنشىء للنياحة «بيوت أحزان» في كل مكان لعزاء الحسين، سمّيت عند العرب «بالحسينيات» كما سمّيت عند الهنود بـ «إمام بان» وعند الفرس والترك «بمأتم سراي» كما كانت تسمى هذه المجالس «بالمآتم» أو «تعازي الحسين» وخصصت لها أوقات وصدقات جارية.


