آراء ومقالات

إليك أيُّها المعلم، يا غارسَ البذرة

تخيل أنَّ كلَّ كلمةٍ تقولها، وكلَّ نظرة تشجيع، وكل موقفٍ إنسانيٍّ تصنعه داخل الصف.. ليس مجرد درسٍ يمضي، بل هو شفرةٌ تبرمج عقل إنسان وتحدّد شكل المستقبل!

جيلٌ يبحث عن هويته، يواجه سيلاً من الأفكار، ويحتاج لمن يمسك بيده، لا ليحفّظه نصوصاً جافةً
بل ليُعلِّمه كيف يفكر
كيف يتأمّل بوعي
وكيف يبني قناعاته بحريةٍ ومسؤوليَّةٍ.

هنا يأتي دورك يا أستاذي، يا من تحمل أمانة الأنبياء والمرسلين.
ففي تراثنا العظيم، لم يكن المعلم مجرد ملقّنٍ للمعلومات، بل كان “محيياً للقلوب” وباباً للهدى؛ والمشهور على الألسنة: (من علَّمني حرفاً فقد صيّرني عبداً).

هذا ليس تعظيماً لشخص المعلم فحسب، بل هو إقرارٌ بحجم التغيير الجذريّ الذي يصنعه الحرف الواعي في حياة الإنسان.

المعلم الحقيقي لا يملأ دلوَ العقول بماء المعارف فحسب، بل يشعل نار الشغف بالعلم، عسى أن يقتبس منها الطالبُ نوراً.

فمع بداية كلّ عامٍّ دراسيٍّ، يدخل آلاف الطلاب إلى مدارسهم حاملين حقائب جديدة، ودفاتر جديدة، وأحلاماً لا يعرفون بعدُ إلى أين ستصل.

لكن هناك شيئاً آخر يدخل معهم إلى الصف…
نسخةٌ غير مكتملةٍ من إنسان، شاء الله أنْ تكون أنت من تُكمّلهم!

وهنا يأتي دورك، أيُّها المعلم.
أنت لا تدخل الصفَّ لتشرح درساً في الرياضيات، أو تحفّظهم تعريفاً في الأحياء، أو تكتب لهم قواعد في النحو.
أنت تدخل إلى عقولٍ تتشكّل، وشخصيَّاتٍ تتكوّن، ونظرةٍ إلى الحياة قد تتغيّر بسبب جملةٍ قلتها ذات يوم.

ولهذا، فالمعلم لا يزرع المعلومات فقط…
المعلم يزرع الإنسان، فهو غرس يمينه، وكدّ نهاره.

ربما لن تتذكّر مَن جثا على ركبتيه بين يديك لطلب العلم، لكنَّه سيتذكّرك أيُّها الأستاذ!

قد ينسى الطالبُ – بعد سنواتٍ كثيرةٍ – تفاصيل درسٍ كامل.
وقد لا يتذكر في أي صفحةٍ كان ذلك القانون، ولا اسم الوحدة التي درسها في الصف الثالث أو الرابع أو الخامس.

لكنَّه سيتذكَّرك يوم قلتَ له: أنت تستطيع!
وأنَّك لم تسخر من إجابته الخاطئة!
ولعله رأى فيك شيئًا لم تره أنت في نفسك.

وهذه ليست مجرد عاطفةٍ جميلةٍ، إنَّها غرسٌ وكنتَ أنت مَن رعى هذه الشجرة التي تبرعمت على يدك بذرةً، وأورقت غصناً، واستغلظت شجرةً عظيمة.

وأنت – أيُّها القارئ الكريم – من هو المعلّم الذي صنع منك إنسانا؟ اذكره لنا وفاءً لجميله عليك.

#مقالات
#مجموعة_إكسير_الحكمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى