فكر وثقافة

 رحلة الفيض (من حياة المرجع الشيخ الفياض)

من جبال أفغانستان، وبين الثّلوج الكثيفة، يشقّ والد الشيخ الفياض طريقه صباحاً حاملاً ولده محمد إسحاق على ظهره وهو في الخامسة من عمره؛ ليوصله إلى شيخ القرية طلباً للعلم، ويعود به مساءً إلى البيت.


تعلّم من شيخ القرية القراءة والكتابة والقرآن، وسمع منه اسم النَّجف وعلماءها، وكان طريقه إلى النَّجف يمرُّ بعدَّة مراحل:


فقد سافر أولاً إلى مدينة مشهد المقدَّسة وبقي فيها سنةً واحدةً، ثم إلى قمّ؛ لزيارة السيد المعصومة (ع)، ثم مدينة الأهواز، فالمحمرة، ثم إلى البصرة، وبقي فيها يومَين ثم زار كربلاء المقدَّسة وبعدها دخل النَّجف الأشرف ولم يخرج منها.


استوطن النَّجف في عمر الثامنة عشر، في أوائل مرجعية السيد محسن الحكيم (قدس)، ويصف الشيخ الفياض تلك الفترة بقوله: (وكنَّا غالباً ما نأكل الخبز والبصل، ولا يخطر ببال أحدنا أنْ يأكل يوماً شيئاً ممَّا يسمّى بالفواكه).


درس السطوح على يد الشيخ ميرزا كاظم التبريزيّ، والسيد أسد الله المدنيّ، والشيخ ميرزا علي الفلسفيّ، والشيخ محمد علي المدرس، وقد أكملها بتفوقٍ ملحوظٍ وإشادةٍ من أساتذته.


ثم حضر الشيخ الفياض البحث الخارج، واختار حلقات بعض الأساتذة الكبار من علماء النَّجف القديرين لعدة أشهرٍ، حتى استقر على بحث أستاذه السيد الخوئيّ، واستمر فيه لأكثر من خمس عشرة سنة.


دأب الشيخ الفياض منذ حضوره بحث أستاذه السيد الخوئيّ على كتابة تقريرات الدروس في حلقتي الفقه والأصول، حتى أكمل تقرير الدورة الخامسة من دورات بحث الأستاذ في علم أصول الفقه، فكان الكتاب المعروف بـ (المحاضرات).


كتب السيد الخوئيّ تقريظاً على كتاب المحاضرات قائلاً فيه: (فإنّي أحمد الله تعالى على ما أولاني به من تربية نفرٍ من ذوي الكفاءة واللياقة، حتى بلغ الواحد منهم تلو الآخر درجةً راقيةً من العلم والفضل، وممَّن وفقت لرعايته وحضر أبحاثي العالية في الفقه والأصول هو قرَّة عيني العلَّامة المدّقق الفاضل الشيخ محمد إسحاق الفياض دامت تأييداته).


بدأ بإلقاء بحوث الخارج عام ١٩٧٨م في مدرسة السيد اليزديّ الصغرى، ثمَّ في مدرسة “دار العلم” المعروفة التي أنشأها السيد الخوئيّ، إلى حين تهديمها من قبل النظام البائد، ثمَّ في أماكن عديدةٍ وآخرها في مكتبه وبيته في محلة الجُدَيْدَة.


كان الشيخ الفياض (قدس) أحد أعضاء لجنَّة الاستفتاءات في مكتب السيد الخوئيّ المسؤولة عن إجابة الاستفتاءات الواردة من جميع الشيعة في العالم.


ترك الشيخ الفياض مؤلفاتٍ في مختلف العلوم، منها:
المباحث الأصوليَّة
محاضراتٌ في أصول الفقه
تعاليق مبسوطةٌ على العروة الوثقى
أطروحاتٌ فكريَّة
منهاج الصالحين
موقع المرأة في النظام السياسيّ الإسلاميّ
الحكومة الإسلامية
النظرة الخاطفة في الاجتهاد
١٠١ سؤالٍ حول الكتابة والكتاب والمكتبات
المختصر في حياة السيد الخوئيّ


توفي في الثامن عشر من ذي الحجة لسنة ١٤٤٧، وشيّع تشييعاً مهيباً في الكاظمية المطهرة، وكربلاء المقدَّسة، والنَّجف الأشرف بحضور شخصياتٍ دينيَّةٍ وأكاديمية وسياسية، ودُفن في مكتبه تحت منبر درسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى