فإنّ الحديث عن أعداد الحمايات والمواكب المرافقة للمسؤولين والوزراء ليس رفضاً لمبدأ الأمن والحماية بحد ذاته؛ ففي ظلّ الظروف الأمنية المعقدة والواقع المتغير، يعد تأمين حياة الناس سواء كانوا مواطنين أو مسؤولين شيئاً واجباً لا غبار عليه، لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في وجود الحماية للمسؤولين، بل في «المبالغة الفاحشة» بها.
فحين تتحول الحماية من حاجةٍ أمنيَّةٍ موضوعيَّةٍ إلى “استعراض فخم” يغلق الشوارع، ويعطل مصالح المواطنين، ويقيم جدراناً إسمنتيَّةً ونفسيَّةً سميكة بين الخادم والناس، فإنها تفقد غايتها الأمنية وتتحول إلى رمزٍ للعزلة والتكبر.
المسؤول الحقيقي هو من يكون قريباً من الناس وهمومهم لا محجوباً عنهم بأرتال السيارات المصفحة والجيوش الجرارة التي تعزل صانع القرار عن هموم رعيته وتفقده الإحساس بنبض الشارع.
وما أروع وما أدق الكلمات التي تضمنها عهد الإمام علي (ع) لمالك الأشتر حين ولاه مصر، حيث حذر من الاحتجاب عن الرعية وقطع التواصل معهم، قائلًا:
(فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلَاةِ عَنِ الرَّعِيَّةِ شُعْبَةٌ مِنَ الضِّيقِ ـ وقِلَّةُ عِلْمٍ بِالأُمُورِ ـ والِاحْتِجَابُ مِنْهُمْ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتَجَبُوا دُونَه ـ فَيَصْغُرُ عِنْدَهُمُ الْكَبِيرُ ويَعْظُمُ الصَّغِيرُ ـ ويَقْبُحُ الْحَسَنُ ويَحْسُنُ الْقَبِيحُ ـ ويُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ ..).
خلاصة القول: إن الأمن مسؤولية، ولكنه لا يعني أبدًا الاستعلاء والاحتجاب والأبهة، فالمسؤول هو “خادم القوم وسيدهم في الخدمة”، وكلما اقترب المسؤول من شعبه كلما غنِيَ عن الحواجز المصطنعة والمظاهر المبالغ فيها.
#تعليق
#مجموعة_إكسير_الحكمة



